فخر الدين الرازي

187

تفسير الرازي

الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة ، فأطلق اسم الجزء على الكل ، أي فصلوا ما تيسر عليكم ، ثم ههنا قولان : الأول : قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء ، وقال آخرون : بل نسخ وجوب ذلك التهجد واكتفى بما تيسر منه ، ثم نسخ ذلك أيضاً بالصلوات الخمس القول الثاني : أن المراد من قوله : * ( فاقرؤا ما تيسر من القرآن ) * قراءة القرآن بعينها والغرض منه دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان قيل : يقرأ مائة آية ، وقيل : من قرأ مائة آية كتب من القانتين ، وقيل : خمسين آية ومنهم من قال : بل السورة القصيرة كافية ، لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعاً للحرج ، وفي القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها . وههنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال : سقط عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل وصارت تطوعاً وبقي ذلك فرضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى : * ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * . واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل : لم نسخ الله ذلك ؟ فقال : لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله ، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم ، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : * ( إن لك في النهار سبحاً طويلاً ) * ( المزمل : 7 ) فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخاً في حقه . ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود : " أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء " ثم أعاد مرة أخرى قوله : * ( فاقرؤا ما تيسر منه ) * وذلك للتأكيد ثم قال : * ( وأقيموا الصلاة ) * يعني المفروضة * ( وآتوا الزكاة ) * أي الواجبة وقيل : زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً . قوله تعالى : * ( وأقرضوا الله قرضاً حسناً ) * فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه يريد سائر الصدقات